2025-07-28440

 

الإعلام ودوره في تنمية وفاعلية الأوقاف

 

هناك العديد من القضايا والتشريعات الإسلامية التي ظَّلت غائبة عن التناول والطرح الإعلامي السليم، أو يتم تناولها نادراً أو عرضاً بين ثنايا الحديث وجزئياته، ومن ذلك: الوقف الذي يجب أن يكون أولى الأنشطة التي ينبغي أن تقدم لجمهورها وفق أفضل قنوات وأساليب الاتصال الحديث الملائمة؛ لاسيما وأنها في واقع الأمر تمثل نشاطاً اتصالياً يستهدف تغيير واقع الناس إلى الأفضل والأمثل.

والإعلام شريكٌ إستراتيجي في تنمية وإدارة الوقف؛ ففي عصر الإعلام والاتصال أصبح من الأهمية بمكان استغلال قنوات الاتصال والإعلام كافة؛ للتعريف بالوقف واستثماراته، وهذه الشراكة تنبني على وضع خطط وبرامج مشتركة بين الإعلام وإدارات الأوقاف الحكومية والأهلية؛ لإبراز الأعمال الوقفية، وتوفير المعلومات اللازمة عنها، واستغلال الإعلام كذلك لتوعية الجمهور بدور الوقف ووجوب تنوعه في مجالات التنمية والصحة والتعليم وغير ذلك.

إن دور الإعلام في مجال الوقف كبير، فلا يمكن الوصول إلى الغاية النبيلة التي من أجلها شُرِعَ الوقف إلا بالتوجيه والتناصح والتوعية والشفافية لعموم الناس، ووسائل الإعلام، والقائمون عليها هم قاعدة ذلك وبوابته، فالوقف يجسد أروع صورة من صور التكافل الاجتماعي التي نادى بها ديننا الحنيف، والمسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.

وفي هذا العصر الذي صار للإعلام فيه الدور البارز الكبير، ذلك لأن توجيه الأمة وتوعيتها دلالة لها على الخير، الذي للدَّال عليه كأجر فاعله، والله - تعالى - يقول في محكم تنزيله: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج، 77]، ومن منّا لا يسعى إلى الفلاح والنجاح والسعادة المقيمة.

إن علينا توضيح الحقيقة لمن التبست عليه وتنبيه من غفل عنها، وهي أن أعمال الأبدان تنقطع بموت الإنسان فلا يبقى له إلا ما أبقاه من عمل صالح يستمر ثوابه له بعد الموت، وذلك ما أخبر به الحديث الصحيح: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

فالوقف في الإسلام صدقة جارية إلى ما شاء الله، ولأهمية تكامل وتكاتف مختلف قطاعات المجتمع لإحياء سنة الوقف، فإن وسائل الإعلام بأشكالها كافة ينبغي أن تقوم بحملات مكثفة؛ للتوعية بأهمية دور الوقف في المجتمع الإسلامي، وحث رجال الفكر والأدب على المشاركة في هذه الحملات إضافة إلى العلماء والمشايخ من الدعاة وطلبة العلم والأئمة والخطباء من خلال الندوات التلفازية والإذاعية، والمجلات، والصحف، ووسائل الإعلام والاتصال الجديد (مواقع التواصل الاجتماعي)، مع أهمية التنويه إلى ضرورة مشاركة رجال المال والاقتصاد والسياسة والتخطيط؛ لتحقيق الغاية المرجوة، فكلما تضافرت الجهود على تأدية عمل معين كان له أثره القوي البارز في صلاح حياة الفرد والأمة مما يرجى معه أن يكون الثواب عند الله أجزل وأعظم.

إن موضوع الوقف من الموضوعات المهمة في تنمية المجتمع، ومع ذلك يغيب جوهر تشريعه وحكمته عن بال الكثير من المسلمين المعنيين به؛ مما يؤثر سلباً على درجة الاستجابة له؛ لعدم وجود ما يُذكّر به ويؤكد حاجة المسلمين له سواء من الموقفين أو المنتفعين به، ولا شك بأن ذلك مما يشجع على دراسة هذا الموضوع والبحث فيه وعلاقة الإعلام به، ولكي يتم تحديد جوانب تلك العلاقة والخروج منها برؤية تسهم في الإفادة منها وفق عناصر مرسومة، وفقاً لتساؤلاتها التي تتخلص في الآتي:

1-ما خصائص الوقف الإعلامية؟

2-كيف يتم التأثير الإعلامي في الجمهور؟

3-ما دور الإعلام في التوعية بشكل عام؟

4-ما دور الإعلام في التوعية بالأعمال الخيرية؟

5-ما دور الإعلام في التوعية بالوقف؟

وللإجابة عن هذه التساؤلات من خلال الدراسات المتخصصة التي استفدت منها يمكننا صياغة عدد من النقاط المهمة؛ لتحقيق الأهداف المرجوة للإفادة من الإعلام كقوة دافعة بالوقف:

1-غياب الظهور الإعلامي للوقف، مما يستدعي الحاجة إلى التعرف على الأسس المناسبة - المستنبطة من الدراسات السابقة - لتوظيف الإعلام لتقديم هذه الرسالة الخيرية بشكل يتناسب مع أهميتها.

2-لا بد من التعريف الوافي بالوقف وبيان منافعه الدينية والدنيوية؛ ذلك أن الدراسات تشير إلى أن الناس لديهم الاستعداد للإسهام في أعمال الخير كلما أصبح لديهم المعلومة الكاملة والفهم الجيد لجدوى الإسهام.

3-ينبغي على الجهات المختصة في تنظيم الوقف والإشراف عليه توضيح الدور الذي تقوم به الهيئات والمؤسسات الوقفية، وطبيعة نشاطها في هذا المجال؛ ذلك أن معرفة الجمهور الدقيقة بآلية التخطيط لأعمال الوقف وبنوعية الإنجازات التي تقوم بها الجهة المشرفة حريٌّ بأن يضاعف من تفاعل الناس إيجابياً مع نشاطاتها.

4-أهمية إجراء دراسات ميدانية على جمهور الوقف؛ للتعرف على مستوى إلمامهم بهذا العمل الخيري المهم، ولتحديد العناصر الأساسية لتطوير عملية التوعية بالوقف والوسائل الإعلامية الأكثر وصولاً لهم؛ ذلك أنه متى تم تحديد ما يختار الناس من الوسائل الإعلامية؛ فإنه يمكن توظيفها لخدمة الرسالة.

5- تشجيع المؤسسات التعليمية في التعليم العام أو التعليم العالي على الاهتمام بموضوع الوقف؛ ليحظى بنصيب وافر في مناهجنا، ولتتم التوعية به من قبل القائمين عليها من وقتٍ لآخر؛ إذ إن ذلك يعدُّ خطوة حاسمة في تنشئة الأجيال اجتماعيَّاً على حب عمل الخير الذي أوصى به الشرع.

6- ضرورة التواصل مع وسائل الإعلام وتزويد القائمين عليه بالمعلومات اللازمة حول الوقف وأحكامه وأهميته للمجتمع ودعوتهم لحضور الندوات جلسات النقاش التي يمكن أن تحفزهم بالمشاركة إعلاميَّاً في توعية الجمهور به.

7- تطوير الوقف من خلال الدراسات والبحوث التي تنشرها وسائل الإعلام.

8- تنمية الأموال الموقوفة من خلال الإعلان عن الخدمات التي تقدمها أو المنتجات التي تبيعها.

9- توعية المستفيدين من الأموال الموقوفة بضرورة الحفاظ عليها ورعايتها؛ حتى يستمر نفعها لهم ولمن يأتي بعدهم.

مسألة فقهية مهمة:

حكم الصرف من الأموال الموقوفة من أجل الإعلان عن خدمات الوقف ومنتجاته عبر وسائل الإعلام.

قد يتساءل البعض عن حكم الصرف على الإعلان عبر وسائل الإعلام من أجل خدمات الأوقاف؛ فالبعض قد لا يدرك أهمية هذا الأمر، والبعض الآخر لا يعدُّ ذلك من الضرورة.

وقد تحدَّث الباحثون والفقهاء عن النفقات التي يحتاجها الوقف؛ لاستمرار خدماته التي يقدمها فقالوا: «إن الناظر يجب عليه إصلاح الوقف، وتكون نفقته من غلة الوقف؛ لأنَّ عدم الوقف يؤدي إلى تلفه وعدم بقائه».

وقالوا أيضاً: «إنّ صاحب الوقف إن لم يشترط ناظراً فالنظر للموقوف عليه، وقيل للحاكم، وينفق عليه من غلته».

وعندما سُئلَ ابن تيمية عن صرف الأموال الموقوفة في عمار الوقف؛ أو الوظائف المتعلقة بالوقف تحت مصالح الوقف واستحقاق من يقوم بذلك الصرف من الوقف فقال: «القائمون بالوظائف مما يحتاج إليه المسجد: من تنظيف وحفظ وفرش وتنويره وفتح الأبواب، وإغلاقها ونحو ذلك؛ هم من مصالحه، يستحقون من الوقف على مصالحه».

وقد قرّرَ بعض الباحثين في الوقف الإسلامي: أنّ الإعلان في عصرنا الحاضر يمثل إحدى الوظائف التي كان يقوم بها ناظر الوقف قديماً؛ فالناظر قديماً كان لا بدَّ له أن يعلِّمَ الناس بالعقارات التي لديه إن كانت أُعدت للإيجار - مثلاً - فيعلن عنها ويعرضها على المؤجرين ويبين لهم مميزاتها، وهذا هو بالضبط ما تقوم به وسائل الإعلام عندما تعلن عن المنتجات والسلع، وتُعرّف الناس بالسلعة ومميزاتها، ولا سيما في هذا العصر الذي تعددت فيه مشاغل الناس وتشعبت اهتماماتهم، واتسعت فيه أعمالهم، فلا يجدون وسيلةً للبحث عن الخدمات والسلع إلا بالاطلاع على وسائل الإعلام وما تنشره من إعلانات».

كما أن المؤسسات الوقفية بحاجة للإعلان عن نفسها، وتعريف الناس بمشروعاتها؛ ليقوموا بتوقيف أموالهم لمصلحة هذا المشروعات، فهذا الإنفاق يدخل في الإنفاق لتنمية الأموال الموقوفة، وهذا يشترط له بذل الجهد والوسع في دراسة الجدوى، وذلك من أجل حفظ الأموال الموقوفة وإنمائها.

وفي التجربة الغربية تجد الدور الكبير لوسائل الإعلام المختلفة في خدمة الأموال الوقفية لدى الكنائس والمؤسسات الخيرية، وذلك بإشاعة روح البذل بين الناس، وكثيرٌ من ذلك لا يكون ديانةً،وإنما تبرعات إنسانية لا يرجون من ورائها أجراً، فوسائل الإعلام قادرةٌ على إقناع الإنسان المسلم بخدمة تلك المؤسسات الوقفية رغبةً فيما عند الله - تعالى.

        --------------------------

alomari 1420@yhoo.com

       -----------------------

ألأستاذ: سلمان بن محمد بن سليمان العُمري